أهم الأخبار

لجان نقابية

مصراوي في "صدر العباسية".. 84 عامًا من مواجهة الأمراض الوبائية (معايشة)

2021-01-01 17:00:00 EMS

كتب - أحمد جمعة:

تصوير - نادر نبيل:

بعد 4 أشهر فقط من عملها داخل مستشفى صدر العباسية، وجدت الطبيبة آية عادل نفسها فجأة أمام أكبر أزمة وبائية يتعرض لها العالم حالياً، ورغم تخصصها كنائب أطفال وحداثة تخرجها، انضمت إلى الفريق الطبي المخصص للتعامل مع حالات الاشتباه بفيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، لتصبح في مواجهة حقيقية من الخطوط الأولى للأزمة.

مع بداية أزمة كورونا، ورفع حالة الطوارئ بمستشفيات الحميات والصدر على مستوى الجمهورية، وتخصيصها لاستقبال حالات الاشتباه، اتخذت إدارة مستشفى الصدر قرارًا بإغلاق بعض الأقسام وتحويل طاقتها البشرية للعمل في مواجهة الجائحة، لتنتقل "آية" إلى قسم الاستقبال، وتتعامل مباشرة مع جميع الحالات باختلاف أعمارها "بنستقبل حالات كورونا في أغلب الأوقات، ونعمل في الطوارئ كلنا مع بعض".

إزاء هذا التحول الاضطراري في عمل الطبيبة آية، راودها بعض القلق من الوضع الجديد، لتبادر بالتعرف على أساليب مكافحة العدوى والوقاية بشكل أكبر "فيه خوف بس دي مهمتنا ومتقبلين الوضع"، لتدخل بعض ذلك في نوبات العمل الأسبوعية "مش تخصصي بس مضطرين نعمل كده، وعلشان في طوارئ فكلنا شغالين مع بعض".

تعلمت الطبيبة بحكم تواجدها لساعات ممتدة في الاستقبال كيفية تشخيص الحالات المُشتبه في إصابتها بكورونا، وتلجأ إلى أحد الأخصائيين المتواجدين معاها حال اختلط عليها الأمر "الأخصائي بيكون معايا وبناخد رأي بعض"، ومن بين تلك الحالات هم الأطفال تخصصها الأساسي والذين تظهر عليهم أعراض إصابة "بتيجي حالات أطفال، ولو شكينا في أي حالة اشتباه يتم حجزها"، ليجري عقب ذلك سحب عينة وإعطاءه بعض الأدوية "لو طلع إيجابي بيتحول للعزل، ولو طلع سلبي تُعاد المسحة للتأكيد مرة أخرى".

في حديثنا مع "آية" كانت ترتدي كافة الإجراءات الوقائية، وخرج صوتها ضعيفًا بحكم وجود "كمامتين" على وجهها إضافة إلى القناع الزجاجي، تجدهم كافيين لحمايتها من الإصابة بعدوى "اتعودنا عليهم، وبنلبس كل الإجراءات الوقائية خوفًا على نفسنا، وبنعقم ما بين كل مريض والآخر.. والدنيا كويسة حتى الآن".

إلى جوارها كان أخصائي الصدر د. أشرف محمد، يراجع أشعة مريض وتحاليله، هوّ أكثر دراية بالفيروس التاجي والتعامل مع حالات الاشتباه؛ انطلاقًا من خبرته التي وصلت إلى 10 سنوات قضاها داخل مستشفى الصدر، ورغم ذلك فهذه أكبر أزمة وبائية تعامل معها منذ تخرجه "نواجه مرضًا ليس له علاج أو مصل حتى الآن"، لكنه يلاحظ أن أنفلونزا الخنازير كمرض كان أشد وطأة، وأعنف في تطور الأعراض، أما كورونا فأسرع في انتقال العدوى.

يشرح أشرف خط سير مريض كورونا منذ دخوله إلى المستشفى. في البداية يتسلم "ماسك" على البوابة، ثم يدخل إلى قسم الاستقبال و"يقطع تذكرة" ليحصل على دوره في عدد الكشوفات اليومي "لما يدخل بتتعمله الفحوصات اللازمة إذا كان يعاني من بعض الأعراض"، وحينها يُوجَّه لإجراء تحاليل صورة دم ووظائف كلى وكبد، وأشعة عادية ومقطعية، وإن توافقت حالته مع شروط الاشتباه في الإصابة بكورونا ببروتوكول وزارة الصحة، يتم حجزه في المستشفى، وسحب مسحة منه، وبدء البروتوكول العلاجي.

قد يستغرق التحليل حتى ظهور النتيجة من 6 إلى 48 ساعة، بحسب أخصائي الصدر، لذا يجري عزل المريض في غرفة منفصلة، وحال كونه إيجابياً للفيروس يتم تحويله إلى أحد مستشفيات العزل أو أماكن الحجر الصحي. ولتطبيق قواعد مكافحة العدوى، خصص المستشفى مسارًا خاصًا لحالات الاشتباه، فبعد فحصه في الاستقبال، يعبر من ممر خاص وصولًا إلى أحد المباني المخصصة لحجز المرضى، ولا يصرح لباقي المرضى بالمرور منه.

ومع زيادة أعداد حالات الاشتباه، خصصت إدارة المستشفى مبنى لاستقبال الحالات يضم 28 سريرًا بقسم السيدات، و45 سريرًا بقسم الرجال، بجانب مبنى خاص يشمل 30 سريرا يتم تحويل الحالات الإيجابية إليه، فضلًا عن مبنى آخر يضم 100 سرير للحالات الإيجابية المصابة التي سيتم عزلها داخله؛ مع بدء تنفيذ خطة وزارة الصحة لتجهيز 34 مستشفى حميات وصدر على مستوى الجمهورية من بينها "العباسية" لتصبح مستشفيات عزل.

مّر على الدكتور أشرف قرابة شهر لم يحصل فيها على إجازة من عمله "شغال بقالي شهر، وربنا يسهل على العيد أنزل لأهلي"، إذ يعمل في مناوبات تصل لـ 12 ساعة لمدة 3 أيام أسبوعياً، ومناوبة إضافية 6 ساعات، ويصف ذلك بالمهمة الواجبة "لو مشتغلناش مين هيتشغل؟!".

ومستشفى صدر العباسية هو أقدم مستشفى للأمراض الصدرية في مصر، إذ جرى إنشاءه عام 1936 وبدأ التشغيل الفعلي عام 1938، ويُقام على مساحة 25 فدانًا، ويتسقبل نحو ألف مريض يومياً يعانون من أمراض تنفسية وصدرية قبل أن ينخفض هذا العدد بعد انتشار كورونا، بحسب ما ذكر الدكتور محمد عيد مدير المستشفى.

"فنيو الأشعة والمعمل"
لـ 15 عامًا يعمل محمود عزت كفني أشعة داخل المستشفى، تعامل مع الكثير من مرضى الأمراض التنفسية "الدرن وأنفلونزا الطيور والخنازير"، لكن طوال هذه السنوات الممتدة لم يتعامل في مثل الظروف الحالية. اختلفت حياة "عزت" مع كورونا عن ذي قبل، فلم يعد يسمع فقط عن هذا "الفيروس المجهول"، بل بات يتعامل مباشرة مع المرضى المشتبه في إصابتهم به، ومعها زادت إجراءاته الوقائية خاصة مع ارتفاع أعدادهم مؤخرًا.

يرتدي "عزت" الكثير من الواقيات الشخصية لحمايته من العدوى "كمامة، وجوانتي، والمريلة البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، والنظارة الطبية"، ويشعر بالضيق منها في الكثير من الأحيان "مش واخد راحتي والماسك خانقني ومش عارف أخد نفسي بطبيعتي، واللبس مكتفني"، لكنه لا يستغني عنها على الإطلاق خلال عمله، إذ هو في مكان مغلق ويتواجد به الكثير من المرضى الذين يعانون من "الكحة".

في يومه الطبيعي حالياً يتعامل مع أكثر من 120 حالة بحاجة لإجراء أشعة، منهم قرابة 100 حالة اشتباه كورونا، والباقي حالات مرضية وجراحية أخرى "في بداية الأزمة كان العدد محدود، لكن خلال الأسبوعين الماضيين بدأت الحالات تزيد بشكل كبير".

يخشى عزت على نفسه وأسرته أن يكون هو ناقل العدوى لهم، لذا فلا يمر يوم إلا ويطهر نفسه ويغيّر ملابسه قبل الرحيل عن المستشفى "بغير اللبس اللي عليا وأنا ماشي وبيترمي، وبغسل ايدي كويس"، ويتذكر تلك المرة التي طلبت منه والدته الحصول على إجازة طويلة لحين انتهاء الوباء "قولتلها لو أنا مروحتش مين هيروح؟ ربنا حطنا في المكان دا علشان نعالج الناس".

تشرح الدكتورة سحر السيد، مدير معامل صدر العباسية، أن المعمل يبدأ دوره منذ دخول المريض إلى قسم الاستقبال والكشف عليه، وحينها يستلزم الحصول على عينة دم وياخدها فني المعمل أو الممرضة، مرفقًا بها أشعة عادية ومقطعية للمريض، وبعدها يتحدد حجز المريض أم لا، وإذا شخصها الطبيب كحالة متوقعة لكورونا، يتم إرسال فني مرتديا كافة الواقيات للحصول على مسحة من الأنف والفم.

يُجمّع المعمل كافة العينات من المرضى، وتوضع في "أيس بوكس" ويتم إرسها إلى المعامل المركزية بوزارة الصحة مرتين في اليوم "العربية بتتحرك في موعدين، 10 صباحا و5 مساء"، ويحصلوا على النتيجة في غضون 24 ساعة، لكنها قد تزيد في بعض الأحيان نتيجة "الضغط على المعامل التي تتلقى عينات من كافة المحافظات".

حتى الخامسة عصر الأربعاء، تلقت الدكتورة سحر إخطارًا بإيجابية 13 حالة من أصل 95 عينة تم إرسال عيناتها إلى المعامل بنسبة 13%، تراها نسبة منطقية بالنسبة لزيادة حالات الاشتباه مؤخرًا "غالباً نسبة الإيجابي تكون بين 10 إلى 20% من إجمالي العينات اليومية".

يعمل في المعمل قرابة 13 فنياً لسحب العينات، "مجدي إليا" أحدهم. يقول إنه يظل في نوبات لمدة 12 ساعة لمدة 3 أيام في الأسبوع وهي "مرهقة بالطبع"، ويكون هناك حذرًا في التعامل مع الحالات المشتبه في إصابتها "أكيد بينهم حالات إيجابي، وبالتالي نتعامل مع الجميع على أساس أنهم إيجابيون لحين يثبت العكس"، آملًا أن ينتهي هذا الوباء قريبًا: "عارفين إننا مكملين شوية، بس بنقول ربنا يحمي الناس".

"مبخفش من المرضى لأني متعود عليهم"، كانت ردًا سريعًا من عامل النظافة محمد عبدالرحمن، عندما سألناه عن طبيعة تعامله في الأزمة الحالية، فقد أمضى من عمره 14 عامًا بين جنبات المستشفى شاهد خلالها الكثير من المرضى على اختلاف معاناتهم. يحتفظ بقدر كبير من التعاطف مع هؤلاء المترددين الذين بحاجة إلى من يرشدهم إلى يُطمئنهم بسلامتهم.

لا يترك "عبدالرحمن" مكانًا داخل المستشفى إلا ويدخله، نتيجة النقص في عدد العمالة والتي تثقل كاهله بعمل إضافي نتيجة حالة الطوارئ الحالية، فهناك 15 عاملًا فقط مهتهم "المستشفى تكون في أحسن صورة"، لذا كانت التعليمات المشددة لهم بارتداء الكمامة وأدوات الوقاية كاملة "بنتعامل مع وضع جديد وبنحمي نفسنا"، لكنه يُسلم أمره لله ويأمل العافية "ربنا يسترها ويعدي الأيام دي على خير".

اترك تعليق

التعليقات

لا توجد تعليقات